فصل: مطلب غزوة بني المصطلق وما وقع فيها وما فاه به عبد اللّه بن سلول على حضرة الرّسول وأصحابه وما رده عليه ابنه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الأخفش:

سورة المنافقون:
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقولواْ تَسْمَعْ لِقولهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}
قال: {خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} وكما قال: {عَمَدٌ} و{عُمُدٌ} وهو مثل {الخُشُب} ويقول بعضهم {الخُشْبُ}.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}
وقال: {لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} لأن كلام العرب اذا كان في السِّخْرِيّ أو في التكثير قيل (لَوَّى لِسَانَه ورأسَه). وخفّف بعضهم واحتج بقول الله عز وجل: {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ}. اهـ.

.قال ابن قتيبة:

سورة المنافقون مدنية كلها.
2- {اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً} أي استتروا بالحلف: كلّما ظهر النبيّ على شيء منهم يوجب معاقبتهم، حلفوا كاذبين.
ومن قرأ: {إيمانهم} بكسر الألف، أراد: تصديقهم باللّه جنة ووقاية من القتل.
4- {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ}: جمع (خشبة). كما يقال: بدنة وبدن، وأكمة وأكم، ورحمة ورحم. ومن المعتل: قادة وقود.
ومن قرأ: {خشب}. جعله جمعا ل (خشب)، وخشب جمع (خشبة). مثل ثمرة وثمر وثمر.
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أي كلما صلح صائح، ظنّوا ان ذاك امر عليهم: جبنا منهم. كما قال الشاعر:
ولو أنها عصفورة لحسبتها ** مسومة تدعوا عبيدا وأزنما

أي لو طارت عصفورة لحسبتها- من جبنك- خيلا تدعو هاتين القبيلتين.
ثم قال: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}. أي فهم الأعداء. اهـ.

.قال الغزنوي:

سورة المنافقين:
4 {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} في سكوتهم عن الحق وجمودهم عن الهدى، أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام. وفي الحديث في ذكرهم: «خشب باللّيل صخب بالنّهار».
{قاتَلَهُمُ اللَّهُ} أحلهم محلّ من يقاتله عدو قاهر له.
5 {لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ}: كثّروا تحريكها استهزاء.
10 {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ}: (أكن) عطف على موضع {فَأَصَّدَّقَ} وهو مجزوم لولا الفاء، لأن {لَوْلا أَخَّرْتَنِي} بمنزلة الأمر وبمعنى الشرط. اهـ.

.قال ملا حويش:

تفسير سورة المنافقين:
عدد 18- 104- 63.
نزلت بالمدينة بعد سورة الحج.
وهي إحدى عشرة آية.
وثمانون ومئة كلمة، وتسعمائة وستّ وسبعون حرفا.
وتقدم بيان السّور المبدوءة بما بدئت به في سورة الانفطار ج 2 ومثلها في عدد الآي العاديات والقارعة والضّحى والجمعة.
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}
قال تعالى: {إِذا جاءَكَ} يا محمد {الْمُنافِقُونَ قالوا} لك بلسانهم {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} حقا بما علمنا في كتبنا فلا تعبأ يا حبيبي بقولهم هذا، ولا تصغ لشهادتهم، وقل لهم إني رسول اللّه إن شهدتم وإن لم {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} فأنت في غنى عن شهادتهم الكاذبة الصّورية {وَاللَّهُ} الذي أرسلك بشيرا ونذيرا لخلقه كافة {يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ} الّذين جاءوا إليك بشهادتهم عفوا {لَكاذِبُونَ} 1 في شهادتهم لأنهم أضمروا عكسها في قلوبهم وان من أخبر بشيء وهو معتقد خلافه فهو كاذب وإن هؤلاء المنافقين الّذين لا تتجاوز شهادتهم حناجرهم {اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ} التي يحلفونها لك على صدق شهادتهم المزورة من قولهم لك قبل انهم لمنكم وانهم معكم وقولهم الآن نشهد والشّهادة يمين كلها {جُنَّةً} وقاية يتقون بها السّبي والجلاء والقتل وما يتخيلون إيقاعه بهم من قبلك وأصحابك {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أنفسهم ومنعوا غيرهم من أتباعه {إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} (2) من الكذب والبهت والنّفاق والإعراض عن دين اللّه وصد النّاس عنه مع علمهم بأحقيته {ذلِكَ} إقدامهم على هذه الأعمال القبيحة {بِأَنَّهُمْ آمَنُوا} بألسنتهم فقط ولم يظهروا إيمانهم إلا عند مشاهدة المؤمنين {ثُمَّ كَفَرُوا} سرا بحضورهم وعلنا فيما بينهم {فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ} حتى لا يدخلها الإيمان الخالص جزاء إيمانهم المزيف {فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} (3) معنى ما يتلو عليهم الرّسول ولا يتدبرون مغزاه، لأنهم لا يتلقونه عن قبول وإذعان، بل عن ردّ واعتراض وإنكار وكراهية {وَ} هؤلاء الفجار {إِذا رَأَيْتَهُمْ} أيها الرّائي {تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ} طولا وامتلاء وحسنا وهيئة وقامة {وَإِنْ يَقولوا تَسْمَعْ لِقولهِمْ} لما هم عليه من الفصاحة والمعرفة بمواقع الكلام، ولكنهم في الحقيقة ليسوا بشيء {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام، لأن الذي ترى منهم من البلاغة وحسن النّطق كله فيما يتعلق بأمور الدّنيا أما ما يتعلق بالدين وأمور الآخرة فهم عنه بمعزل قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا}، لأنهم متغلغلون فيها منهمكون في زخارفها {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ} لاهون عنها طارحوها وراءهم.
راجع هذه الآية 8 من سورة الرّوم ج 2 في بحث الغافلين عن الآخرة المنصرفين إلى الدّنيا فتراهم يا سيد الرّسل من حيث الدّين أشباه رجال كما يتخيل من سماة بعض المتعممين الّذين يقال فيهم:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ** شيخا على كرسيه معمما

وبعض الملتحين في القول فيهم:
ألا ليت اللّحى كانت حشيشا ** فنعلفها دواب المسلمينا

ومما يدلك على هذا أن الرّعب قد ملأ قلوبهم وصاروا بحيث {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} وانهم المرادون بها ويظنون منها إيقاع الشّر فيهم وتوقع الضّر بهم سواء كانت من ناشد ضالته أو ممن ندت له دآبة أو مناد في المعكر، حتى أنهم من شدة خوفهم يلقون الخوف في غيرهم لسوء ما يراهم عليه من الاضطراب، وهؤلاء الجبناء {هُمُ الْعَدُوُّ} اللدود لك ولأصحابك {فَاحْذَرْهُمْ} يا سيد الرسل ولا تأمنهم على شيء ولا تغتر بأيمانهم الكاذبة وإيمانهم الصّوري {قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (4) جملة تعجبية من أنواع افترائهم وانصرافهم عن الحق وإصرارهم على النّفاق {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ} ربه عما سلف منكم وأخلصوا إيمانكم له {لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ} أمالوها إعراضا عن سماع هذا القول {وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ} عما دعوا إليه أنفة منه {وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} (5) عن الإجابة إلى استغفارك مع أنك تدعوهم لخيرهم، ولهذا فاتركهم يا حبيبي {سَواءٌ عَلَيْهِمْ} الأمر {أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} لأنهم خرجوا عن الطّاعة {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ} (6) الخارجين على رسولهم ودينهم.
راجع الآية 81 من سورة التوبة لآتية الدّالة على قطع أملهم والآيات قبلها وبعدها التي فضح اللّه بها أحوال المنافقين كلها، فلم يبق لهم خصلة مكتومة من أفعالهم القبيحة تجاه الرّسول وأصحابه إلا أوضحها، وهؤلاء {هُمُ الَّذِينَ يَقولونَ} لبعضهم ولمن هو على شاكلتهم {لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} من النّاس {حَتَّى يَنْفَضُّوا} عنه وقد خاب ظنهم فإن اللّه مغنيه عن نفقتهم وكيف يحتاج لهم: {وللّه خزائن السّموات والأرض}، وبيده مفاتح الرّزق وهو مولاه يكفيه عن كلّ خلقه على رغم أنوفهم، وكيف يحتاج إليهم وقد كلفه اللّه أن يجعل له جبال مكة ذهبا تلك الجبال التي شاهدناها التي سيكون لها شأن عظيم عند ترقي العلم الدّنيوي ويستخرج منها معادن إن لم تكن ذهبا تأتي بالذهب {وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ} (7) أن الأرزاق بيد اللّه يؤتيها من يشاء من عباده ويمنعها عمن يشاء {يَقولونَ} أيضا هؤلاء المنافقون {لَئِنْ رَجَعْنا} من غزوة بني المصطلق بطن من خزاعة بن جذيمة وهو المصطلق وتسمى غزوة المريسيع اسم لماء من مياههم وغزوة محارب وغزوة الأعاجيب لعظم ما وقع فيها كما سنقصها بعد {إِلَى الْمَدِينَةِ} وانتهينا من غزوتنا هذه {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا} أي من المدينة يربدون أنفسهم قاتلهم اللّه {الْأَذَلَّ} يريدون حضرة الرّسول وأصحابه أذلهم اللّه، وقد خسئوا وخابوا {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} لا لهم {وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} (8) ذلك لخبث عقيدتهم وسوء نيتهم.

.مطلب غزوة بني المصطلق وما وقع فيها وما فاه به عبد اللّه بن سلول على حضرة الرّسول وأصحابه وما رده عليه ابنه:

وخلاصة هذه القصة هو أنه كان ضرار أخو جويرية أم المؤمنين بنت الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق جمع جموعه لحرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ولما بلغه ذلك خرج اليه بأصحابه رضي اللّه عنهم سنة ستّ من الهجرة لليلتين خلتا من شهر رمضان فلقيهم على المريسيع من ناحية قديد إلى السّاحل، فتزاحم النّاس واقتتلوا فهزمهم اللّه وأمكن رسوله منهم واستاق أبناءهم ونساءهم وأموالهم غنيمة.
ومن وقائع هذه الغزوة التي وعدنا بذكرها آنفا ما رواه البخاري ومسلم عن جابر قال «غزونا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد بات معه أناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان منهم رجل لعاب فكسع أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا، وقال الأنصاري يا للأنصار، وقال المهاجري يا للمهاجرين، فخرج رسول اللّه فقال ما بال دعوى الجاهلية، ثم قال ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجر للأنصاري، فقال دعوها فإنها خبيثة».
وقال عبد اللّه بن أبي بن سلول قد تداعوا علينا لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال عمر رضي اللّه عنه ألا أقتل يا رسول اللّه هذا الخبيث؟ بارك اللّه فيك يا سيدي يا عمر كلما تكون قضية فيها ما يغضب اللّه ورسوله إلّا قوّم نفسه لينتقم للّه ورسوله.
راجع أول سورة الممتحنة المارة وقصة الفتح الآتية والآية 60 فما بعدها من سورة النّساء المارة، فقال صلى الله عليه وسلم «لا يتحدث الناس إنه كان يقتل أصحابه»، أي لا تفعل حتى لا يترنم النّاس في ذلك فيقولوا إنه كان يقتل أصحابه إذ لا يعلمون أحقية القتل لمثله.
وفي رواية مسلم فقال «لا بأس، ولينصر الرّجل أخاه ظالما كان أو مظلوما»، أي إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره، وزاد الترمذي، فقال له ابنه عبد اللّه لا تنقلب حتى تقرّ أنك أنت الذليل ورسول اللّه العزيز، ففعل.
وقد ذكرنا في الآية 43 من من سورة النّساء إن هذه الحادثة كانت سنة خمس، والصّحيح سنة ستّ كما جاء هنا واللّه أعلم.
وروى البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم قال «خرجنا مع رسول اللّه في صفر أصاب النّاس فيه شدة، فقال عبد اللّه بن سلول لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضوا من حوله، وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأزل، قال فأتيت رسول اللّه فأخبرته بذلك، فأرسل إليه فسأله فاجتهد يمنه ما فعل، فقالوا كذب زيد رسول اللّه، قال فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أنزل اللّه بتصديقي {إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ} ثم قال دعاهم رسول اللّه ليستغفر لهم، قال فلووا رؤوسهم، قال أصحاب السّير جاء عبد اللّه رضي اللّه عنه بن عبد اللّه بن أبي بن سلول فقال لحضرة الرّسول إن كنت تريد قتله يا رسول اللّه فدعني آت لك برأسه، لأن النّاس تعلم أني أبرّ النّاس به، فإن قتله غيري يا رسول اللّه يصعب علي ما تلوكه بعد ألسنة النّاس، وأنا ما أنا عليه من البر بالوالدين والغيرة على السّمعة، لذلك يا سيدي أخشى أن لا تدعني نفسي أنظر إلى قاتله غيرة منها وخشية من تقول النّاس، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النّار، فقال له صلى الله عليه وسلم بل لترفق به وتحسن صحبته ما كان معنا، وقال أسيد بن حضير يا رسول اللّه ارفق به فوالله لقد جاء اللّه بك وقومه يعملون له التاج كي يتوجوه، وأنه يرى أنك سلبته ملكه قال أصحاب السّير ولما قرب عبد الله بن أبي من المدينة وأراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله رضي اللّه عنه وأرضاه وقال له وراءك، قال ويلك مالك، قال واللّه لا تدخلها أبدا إلّا أن يأذن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ولتعلمن اليوم من الأعز من الأزل فشكاه إلى رسول اللّه، فأرسل إليه أن خلّ عنه، فقال إذا جاء أمر الرّسول فقم فادخل المدينة».
وقيل قالوا اذهب إلى رسول اللّه يستغفر لك، فقال أمرتموني أن آمن فآمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فأعطيت، فما بقي إلّا أن أسجد لمحمد، فأنزل اللّه هذه السّورة.
وذكر قصة المريسيع فيها لا يعني أنها نزلت بوقتها بل كانت في سنة ستّ كما ذكرنا وقد أنزل الله في هذه الغزوة فرض التيمم كما أشرنا إليه في الآية 42 من سورة النّساء المارة وأشار إليها جل شأنه في هذه السّورة كغيرها من القصص فإنها قد تقع في زمن يخبر عنها في زمن آخر قبل وقوعها أو بعده أو زمنه، كما أن أسباب النّزول كذلك، فإنه قد يرافق الحادثة وقد يتقدمها أو يتأخر عنها.
قالوا ثم اشتكى عبد اللّه ولم يلبث إلّا أياما ومات على نفاقه كما سيأتي ذكره في الآية 84 من سورة التوبة الآتية إن شاء اللّه.
قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ} (9) في الدّنيا بسبب عقلتهم وانهما كهم في حب أموالهم وأولادهم المؤدي إلى خسارتهم في الآخرة قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ} أيها النّاس {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} فيتعذر عليه الإنفاق في حياته وفيما يؤتى به يوم القيامة في الموقف ويسأل عن تقصيره هذا يعتذر {فَيَقول رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ} ولم تمتني بغتة {فَأَصَّدَّقَ} بمالي على عيالك فلا يقبل منه، لأنه أمهله أعواما كثيرة ولم يفعل وكان يمكنه التصدق قبل حلول أجله لو كان صادقا فيما يقوله ويتمناه، وكان بوسعه التصدق ولكنه كان كاذبا يسوف طيلة السّنن التي قضاها حال صحته وقدرته على التصدق ولم يفطن لهذا ولم يذكره، وكذلك قوله: {وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} (10) لا صحة له، لأن اللّه يعلم لو أمهله فيما أراد لا يفعل شيئا من ذلك لاغتراره بالدنيا ولهوه في زخارفها فلم يخطر بباله حال الرّخاء ما خطر بباله حال الشّدة، فوقع في الأسف والدّامة والحسرة بعد فوات وقت قبولها فلم يصلح لإجابة طلبه بل للقاء النّار.
وهذه الآية من تتمة ما نزل في المنافقين لأن المؤمن لا يسأل الرّجعة عند حلول الموت، ولأن ما بعده خير له مما قبله، وهو يحب لقاء اللّه واللّه يحب لقاءه، فلا يغتر بالدنيا ولا بطول العمر والتمتع بالعافية والرّفاه فيمنع الزكاة ويسوف بالتوبة ويصر على المعاصي كالكافر والمنافق، بل يتوب ويتصدق وهو صحيح صحيح، ولهذا قد ردّ اللّه على المنافق قوله وتمنيه بقوله عز قوله: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها} أبدا لما ثبت باللوح هكذا ولا يقدم ولا يؤخر عن وقته المقدر له {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ} (11) بالدنيا لو ردّكم إليها لاستمريتم على أفعالكم القبيحة وحرصكم على المال وتقاعسكم عن فعل الخير كما كنتم واكثر، قال تعالى: {لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ} الآية 27 من الأنعام ج 2 وهذه الآية عامة في كلّ من هذا شأنه، ونزولها في المنافقين لا يمنع شمولها لغيرهم ولا يخصصها فيهم، لأن العبرة لعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب فنسأل اللّه العفو والعافية والتوفيق إلى أقوم طريقها وأقول:
إليك بسطت الكف في فحمة الدّجى ** نداء غريق في الذنوب غريق

رجاك ضميري كي تخلص حجتي ** وكم من فريق شافع لفريق

فاشفع يا رسول اللّه بعبدك الجامع لهذا.
ويا رب وفقه لإكماله وانفع به عبادك، واجعله خالصا لوجهك الكريم، إنك على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير.
هذا واللّه أعلم.
وأستغفر اللّه.
ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدّين، ومن تبعهم بإحسان آمين. اهـ.